ابن عجيبة

7

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بسم الله الرحمن الرحيم تقديم بقلم الأستاذ الدكتور / حسن عباس زكى نحمدك اللهم ، فاتح كنوز الغيب للصفوة من عبادك ، مانح فيض علمك للخلاصة من خلقك ، فاستودعت قلوبهم خفىّ سرك ، وأشهدت أرواحهم حقيقة أمرك ، فكانوا أعرف عبادك بمضمرات إشاراتك ، وأفهمهم لمعاني كلامك ، فإن نطقوا فهم تراجمة لوحيك ، وإن عبّروا فهم ألسنتك تخبر بمرادك ، وإن فاهوا فإنما يفصحون عن بديع حكمك . أعززتهم بما توجتهم من العلم والعرفان ، فعزّوا على الناس بما خصوا به من أسرار معجم القرآن ، وحلّهم لطلاسم ورموز الفرقان . ولمّا لم يسعف العقل بعض الناس بفهم تلك الإشارات ، ولم يحيطوا بإدراك تلك المذاقات ، أنكروا مقالهم ، وجحدوا حالهم ، وغاب عنهم اختصاصهم ، وفاتهم أن الحق هو المتكلم فيهم ، وأنهم مشيرون به ، أو هو المشير بهم ، « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها ، وإن سألني أعطيته ، ولئن استعاذنى لأعيذنّه » « 1 » ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ « 2 » . ونصلى ونسلم عليك يا عين الحقائق ، ويا قرآن جمع العلم والمعلوم ، ويا فرقان الشرائع والعلوم ، أنزل عليك ربك كتابا في عالم الظهور ، أنت سره وحقيقته ، فكنت تعاجل جبريل به قبل النزول ، كتابا منه آيات محكمات ، هن أم الكتاب ، يفهمها الخصوص والعموم ، وأخر متشابهات ، يختص بفهمها أولو العلم الراسخون . صلى الله عليك وعلى آلك وأحبابك مشارق شموس العرفان ، ومطالع كواكب الحقائق . المتبرءون من الأوهام والظنون ، ما كرّت الأيام ومرت الدهور والسنون . ( أما بعد ) : فإن القرآن كلام الله ، وكلام الله صفته النفسية ، والصفة تدل دلالة واضحة على الموصوف ، وكما أن الموصوف - وهو الحق سبحانه - لا تدرك حقيقته فكذلك صفته . . لهذا وقفنا أمام كلام الله حائرين ، لا نجزم بتحديد مراميه ، ولا نقطع بأن ذلك التفسير عين مراد الحق منه ؛ لأن كلام الله القديم ، إنما يفسره المفسرون بلغتنا

--> ( 1 ) الحديث أخرجه بطوله البخاري في ( الرقاق ، باب التواضع ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه . ( 2 ) من الآية 269 من سورة البقرة .